Translate

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

المحاضرة الخامسة نظرية العقد



المحاضرة الخامسة
نظرية العقد
    تعريف العقد :
يطلق العقد فى لغة العرب على معان متعددة من أهمها : الربط ، والتقوية ، والتوثيق ، فكل معنى لغوى لايخرج عن الجمع أو الربط بين شيئين أو أشياء ، وعن التقوية والتوثيق . فيقال عَقَد الحبل أى ربطه ، وعقد الرباط أي قواه .
والربط هذا قد يكون ماديا محسوسا كما ورد فى المثال السابق عقد الحبل ، وقد يكون معنويا فى الأمور غير الحسية كمافى قوله تعالى :  لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ  فعقد اليمين أى تشديده وتأكيده أمر معنوى ، وكما يقال عقد فلان صلة طيبة بفلان أى قوى ووثق الروابط والعلاقات معه فالعقد بمعنى الربط بمعناه المادى والمعنوى مطلقا.
واذا نظرنا إلى علاقة تعريف العقد فى الإصطلاح بمعناه فى اللغة وهو الربط . نجدها علاقة واحدة فى معنى الربط والتوثيق ، فالبائع مثلا عندما يريد بيع سلعته فيأتيه المشترى ويقبل شراءها بثمن معين يوافق عليه البائع ، فكأن طرفى العقد ربطا بين عبارتيهما عبارة البائع والمشترى.
    المعنى الاصطلاحى للعقد :
وأقصد به المعنى الخاص والدقيق للعقد.. من تتبعنا لكلام الفقهاء واستقرائنا للعقود المختلفة نجدهم فى مقصودهم للمعنى الدقيق للعقد فد  أخذوا اتجاهين :
    الاتجاه الأول :
وفيه يتوسع أصحابه فى مفهوم كلمه العقد فيجعلون كل مايعزم الإنسان على فعله عقدا ، سواء أكان هذا الفعل المقصود يحتاج فى انشائه الى ارادتين أواكثر كالبيع مثلا والايجار ، أم كان مما يكفى لصدوره إرادة واحدة مثل هبة شخص لسيارته لمستشفى ، أو تبرعه بمبلغ من المال للفقراء.. فكل هذه التصرفات عندهم عقودا ، سواء تمت بإرادة شخص واحد دون ربط بالآخرين ، أم قامت بالربط بين إرادتين. ويعتبرون أن الربط قد تم حتى فى التصرف الذى نشأ بإرادة الشخص وحده ، لأنه قد ربط بين نيته وإرادته وبين تنفيذه لما التزم به دون طرف ثان كالطلاق مثلا.
    الاتجاه الثانى لمفهوم العقد عند الفقهاء :
واليه يذهب الجانب الأعظم من الفقهاء ، وهم لايطلقون كلمة عقد بهذا التعميم السابق فى الاتجاه الأول ، بل يقصرون مفهوم العقد على التصرف بين إرادتين أو أكثر ، وتترتب عليه التزامات وخلاصة القول أن تعريف العقد بمفهومه الخاص :
هو الربط بين كلامين أو أكثر ، أو ما يقوم مقامهما ، يترتب عليه ، أثر شرعى كالبيع والاجارة ، والوديعة وغيرهم.
فى أركان العقد
     الركن الأول   :   التراضى (الصيغة) [ ايجاب وقبول ]
    الركن الثاني : الأطراف [ عاقدان ]
    الركن الثالث : المحل [ موضوع - مقابل ] ثمن - مثمن
    أولا : التراضي فى التعاقد ( الصيغة ):
يعد التراضى أو الرضا اهم الأركان اللازمة لإنشاء العقد وتكوينه لأنه عبارة عن اتجاه النية للرغبة فى التعاقد من جانب طرفيه فالبائع ينوى بيع سلعته والمشترى يعزم وينوى على الاتجاه للسوق لشراء سلعته وتأتى النصوص الكريمة من الكتاب والسنة لتأكيد ذلك من الكتاب يقول تعالى  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ  والتجارة عبارة عن عقود مختلفة جعل القرآن الكريم التراضى اساس صحتها والا كانت باطلة ، ومن السنة يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  « إنما البيع عن تراض » أى ان البيع وهو من اهم العقود لايكون عقدا إلا بالتراضى بين أطرافه فالرضا : عبارة عن ارتياح الانسان ورغبته فى أداء عمل معين بمحض إرادته. وعلى هذا فالعقد لاتقوم له قائمة إلا إذا كان أطرافه راغبين بإرادتهم « دون اكراه أو خلل فى الارادة كالجنون أو الصغر » فى إبرام العقد.
الصـيـغــــــــــة
( الإيجاب والقبول )
سبق وقلنا فى تعريف العقد انه الربط بين كلامين بقصد إحداث اثر شرعى. هذين الكلامين احدهما عبارة أحد العاقدين يبدى بها رغبته فى التعاقد والثانى الكلام الذى يرد به الطرف الثانى على هذه الرغبة .
وقد سمى الفقهاء احد الكلامين بالايجاب والثانى بالقبول وهما طرفا الصيغة . لكن كيف نميز عبارة الايجاب عن القبول وما هى الشروط الواجب توافرها لامكان الربط بينهما لكى يقدما صيغة صحيحة منشئة لعقد صحيح؟؟؟


    مفهوم الإيجاب والقبول وكيفية التمييز بينهما:
الإيجاب : اعلان أحد طرفى العقد رغبته الجادة فى التعاقد .
القبول  : هو ما يبديه الطرف الآخر صراحة لقبول ما ابداه الطرف الذى اعلن رغبته فى التعاقد .
    مثال ذلك
ما لو قال التاجر أبيع هذه السيارة بخمسة آلاف جنيه هذا اعلان للرغبة فى البيع يعد ايجابا فإذا قال الطرف الآخر قبلت الشراء بهذا الثمن عد هذا قبولا وترتب على الصيغة المكونة من الايجاب والقبول الآثار العقدية على عاتق الطرفين .
واذا كنا أمام طرفى العقد عند صدور الصيغة منهما فكيف نعرف الايجاب من القبول .
ذهب جانب من الفقهاء الى القول بأن الايجاب هو التعبير الذى يصدر أولا والقبول ما صدر ثانيا فالمعيار هنا فى تمييز الايجاب عن القبول عند هؤلاء معيار زمنى على الترتيب وهذا الرأى هو الذى ذهب اليه الأحناف .
أما الاتجاه الثانى وهو لجمهور الفقهاء (المالكية - الشافعية - الحنابلة) وقد ذكروا أن الايجاب هو الذى يصدر من الطرف المملك أى الذى سيتصرف فى محل العقد كالبائع مثلا فى عقد البيع والقبول هو مايصدر ممن يرغب فى التملك كالمشترى مثلا فى عقد البيع فالعبارة التى تصدر من البائع فى عقد البيع هى الايجاب سواء صدرت  أولا أم كانت ثانيا والقبول هو عبارة المشترى دائما سواء أصدرت فى أول الكلام أم فى آخره فعبارة المملك ايجاب دائما والمتملك قبول دائما وبغض النظر عن هذه الاتجاهات الفقهية فالذى يهمنا ان صيغة العقد مكونة من شقين الايجاب والقبول وان البحث عن تسمية كل عبارة منهما مسألة اصطلاحات ليست من الخطورة ولا أثر لها .
    أولاً : الهيئة المادية أو شكل الألفاظ التى تستخدم فى إبرام العقود .
    ويقصد بها الحروف التى يتكون منها اللفظ ..
وقد قرر الفقهاء أنه فى جملة العقود وغالبها لا يلتزم أطراف العقد بضرورة استخدام ألفاظ محددة .. لا يمكن تغييرها أو استبدالها بأخرى ، فأى عبارة تدل على المعنى المقصود تصلح لإبرام العقد ففى عقد البيع مثلا : يجوز استخدام كل لفظ يدل على نقل الملكية بعض أى بمقابل كبعت ، وملكت ، وجعلته لك بثمن - وفى عقد الهبة يمكن الواهب أن يقول وهبت أو ملكت مجانا ، أو جعلت سيارتى هدية لفلان ، وفى عقد الإيجار يقول أجرَّت أو ملكت منفعة مسكنى لمدة كذا بأجر قدره كذا ..



    ثانياً : من حيث الهيئة الزمانية لألفاظ التعاقد :
بداهة فإن الأفعال كقسم من أقسام الكلام مع الأسماء والحروف هى اللفظ المناسب لاستخدامه فى إبرام العقود ، لأن الفعل يدل على حدث وزمن ومعلوم أن الزمن فى الفعل أما أن يكون مضى ومر وهو الزمن الماضى أو يحدث ويستمر وهو الزمن المضارع وأخيراً زمن يحدث فى المستقبل فقط وهو فعل الأمر فما هو المناسب من هذه الأفعال من حيث زمنها لاستخدامه كلفظ فى إبرام العقود ؟
1-    صيغة الفعل الماضى :
أجمع الفقهاء على أن صيغة العقد بلفظ الماضى هى أفضل الصيغ لأنها تدل حتما على إرادة التعاقد وعلى الجدية - لأن معنى استخدام عبارة تدل على حدوث الشئ فى الزمن الماضى ان الرغبة جادة فكأن طرف العقد يقول بعت سيارتى وهو لم يبعها بعد فكأنه يقول للطرف الثانى أنا جاد وكأنى قد أبرمت العقد فى الماضى وقد استخدمت صيغته للتدليل على جديتى .. ولأن الشارع يعتبر اللفظ الدال على المالضى فينشئ العقد فى الحال - وقد استخدم القرآن الكريم للتعبير عن بعض الأمور المحقق حدوثها بصيغة الماضى رغم إنها لم تحدث بعد دلالة على اليقين والجزم من المولى عز وجل بتحقيقها كقوله تعالى :
 وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا  وقوله تعالى  أتى أمر الله فلا تستعجلوه  وبالرغم من أن هذا لم يحدث بعد فقد عبر المولى بلفظ الماضى لليقين بأن هذا حادث لا محالة .
ولا يحتاج التعاقد بصيغة الماضى إلى قرينة أو نية للدلالة على الرغبة فى التعاقد . ولا تحتمل وعداً أو مساومة .
صيغة المضارع ودورها فى إبرام العقد : الأصل أنها لا تستخدم فى إنشاء العقد إذا لم تصاحبها قرينة تدل على الرغبة فى إنشاء العقد فى الحال وتصرف أن يكون للوعد أو المساومة أو الاستقبال . لكن لو صاحبتها قرينة تدل على إنشاء العقد فى الحال اعتبر العقد منعقدا فى الحال لأن هذه القرينة استبعدت دلالة المضارع للاستقبال - لأن الاستعجال يعطى وعدا بالعقد لا عقدا فى الحال . مثال ذلك لو قال البائع للمشترى أبيعك سيارتى بخمسين ألف جنيه فقال الآخر قبلت وقدم له فى نفس الوقت المبلغ المحدد فهنا العقد فى الحال بناء على الصيغة بالرغم من أنها بلفظ المضارع « أبيع » الدال على الاستقبال لكن استبعدت هذه الدلالة لوجود قرينة دالة على إرادة العقد فى الحال وهى دفع الثمن من المشترى مقترنا بصيغة المضارع ، لأن صيغة المضارع تستعمل غالبا فى الأخبار عن وقوع الفعل فى المستقبل .
ومن المسلم به أن صيغة المضارع الخالية من القرينة لا تكفى لإنشاء العقد عند جمهور الفقهاء ومن باب أولى إذا اقترنت صيغة المضارع بما يؤكد أنها للاستقبال كاقترانها بأدوات الاستقبال كالسين وسوف فإنها لا تفيد فى إبرام العقد كقول البائع سأبيع أو سوف أبيع.
كذلك اتفقوا على أن العقد لا ينعقد بصيغة الاستفهام مثال ذلك أن يقول البائع للمشترى هل تبيع سيارتك لى بعشرين ألف جنيه ؟؟ لأن هذا سؤال يحتاج إلى إجابة وهذه الإجابة ان عدت ايجابا تحتاج إلى رد جديد ليكون قبولا فتكون الصيغة الجديدة هى التى أنشأت العقد وليس صيغة الاستفهام .
2-    صيغة الأمر ودورها فى إبرام العقود :
اختلف الفقهاء فى انعقاد العقد بها ، إذا وجدت معها قرينة ، تدل على إرادة إنشاء العقد فى الحال .
فذهب جمهور الفقهاء (المالكية ، الشافعية ، الحنابلة) : إلى أن العقد ينعقد بها ، لقيام القرينة حينئذ على إنشاء العقد وأن المقصود ليس مجرد الوعد بالتعاقد .
وذهب الحنفية : إلى أن العقد لا ينعقد بها ، حتى لو وجدت قرينة لأن صيغة الأمر معدة لطلب الإيجاب وليس فى الأخبار عن الرغبة فى إنشاء العقد فى الحال .
فمثلاً لو قال البائع للمشترى إشتر هذا البيت بمبلغ كذا فقال المشترى قبلت. فالعقد لا يبرم لأن البائع يطلب موافقة وايجابا من المشترى وهذا الايجاب يحتاج إلى قبول مره أخرى . وبالتالى لا ينعقد العقد .
والراجح هو الرأى الأول لتعارف الناس على ذلك وليس هناك ما يمنع الانعقاد به مع القرينة .
    الوسائل البديلة للألفاظ للتعبير عن الإرادة فى التعاقد :
الكتابة : يأخذ التعاقد بغير الألفاظ صورا عديدة تبررها ظروف التعاقد .. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن التعاقد ابتداء بطريق الكتابة جائز صحيح لأنه من الوسائل القاطعة ويحتل المرتبة الثانية بعد التلفظ للتعبير عن الإرادة ولم يفرق هؤلاء الفقهاء بين ما إذا كان المتعاقد بالكتابة قادر على النطق وبالتلفظ بالعبارة أم لا ، وتصح من المتعاقدين الحاضرين معا فى مجلس العقد وبين الغائبين .
    مثال ذلك :
تحرير عقد وديعة لمبلغ من المال للمضاربة فيه لدى مؤسسة مالية فيقوم المودع بتحرير استمارة يعلن فيها رغبته وإرادته فى إيداع هذا المال يضارب فيها لبنك بنظام المرابحة مثلا فيقوم رئيس البنك أو من يقوم مقامه بالتوقيع كتابة بالقبول والموافقة فيعد ذلك ايجابا من الأول وقبولا من الثانى بطريق الكتابة .. وكل ما اشترطه الفقهاء فى الكتابة :


1-    أن تكون واضحة يفهم منها المراد أى مستبينة وظاهرة .
2-    أن يفهم كل طرف المعنى الذى قصده الآخر عند اختلاف اللغة أى مرسومة ومكتوبة بالطريقة التى اعتاد الناس الكتابة بها فى زمانهم ومنسوبة لمن كتبها وأرسلت إليه . ولم يشترط الفقهاء لغة معينة للتعاقد بالكتابة.
وذهب فريق آخر من الفقهاء إلى جواز التعاقد بالكتابة ابتداء وذلك فقط بالنسبة لغير القادر على النطق .. أما القادر على النطق فليس له التعاقد بالكتابة وإهمال الألفاظ لأن اللفظ أكثر وضوحاً فى الدلالة على الإرادة ، فلا يجوز العدول إلى الكتابة إلا عند العجز عن النطق.
    ثانياً : التعاقد بالإشارة :
المراد بالإشارة تلك التى تدل دلالة واضحة على أن المتعاقد أراد إنشاء العقد ورضى بعقده .
والتعاقد بالإشارة له صور عديدة من أهمها :
1-    أن تصدر الإشارة من قادر على النطق :
اختلف الفقهاء فى هذه الصورة ومدى انعقاد العقد فيها :-
ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة التعاقد بالإشارة من القادر على النطق - لأن الأصل فى التعبير هو الكلام ، ولا نتجاوز هذا الأصل إلى غيره إلا لسبب وضرورة ، ولا توجد ضرورة لذلك فالعاقد قادر على النطق فلم لا يعبر بها ؟
وذهب فقهاء المالكية :
إلى أن الإشارة من القادر على النطق إذا كانت واضحة ، ودالة على إرادة إبرام العقد فهى صحيحة مثلها مثل اللفظ والكتابة .
والراجح : أنه اتفاقا مع حاجة الناس ومقتضيات التعامل تؤيد الرأى الثانى.
    ثالثا : التعاقد بالفعل أو المعاطاه ( دون صيغة ):
فقد يعبر أطراف العقد عن ارادتهما فى إنشاء العقد بتصرف عملى يدل على رغبتهما وإرادتهما على الرضا بالتعاقد لذا سمى بالتعاقد بالفعل أى بالتصرف لأنه لم تستخدم فيه ألفاظ أو كتابة بين أطراف العقد أو من أحد طرفيه كما يسمى بالتعاقد بالمعاطاه أى المبادلة الفعلية لالتزامات العقد أى يعطى كل منهما بالمناولة والمعاطاه التزامه للطرف الآخر ؛ وقد تعارف الناس على هذا النوع من التعامل فى المعاملات البسيطة فى قيمتها وهو مانراه يوميا فى شراء الصحف أو السلع المعروضة المعروفة الثمن سلفا للكافة ، فيحمل الراغب فى الشراء السلعة ويضع سعرها للبائع فيأخذه دون أن يهمس أحدهما بكلمة.
1-    ذهب جمهور الفقهاء إلى ان التعاقد بهذه الطريقة ينعقد صحيحا مطلقا ولكن يستشف من هذا الرأى ضرورة وجود قرائن تساعد على انعقاد العقد بهذه الصورة ومن هذه القرائن :
‌أ-    أن يوجـد تعامـل سابـق بيـن العاقدين .. مثال ذلك أن يتعود تاجر على شراء كمية من القماش محددة النوع والمقدار والثمن كل فترة زمنية محددة من تاجر جملة فبعد الصفقة الأولى التى تمت تفصيلا بينهما وبصيغة لفظية نوقشت فيها كل التفاصيل كلما حضر التاجر المشترى الى البائع ودون ان ينطق فقد تعود البائع على طلبه ويعرفه فيأمر عماله ويسلمون المشترى صفقته والذى يضع السعر أمام البائع وينصرف دون كلمة أو لفظ حول الصفقة .
‌ب-    ان تكون هناك مفاوضات تمهيدية واتفاقات سبقت التعاقد بالمعاطاة مثال ذلك : مالو رغب شخص فى شراء سيارة آخر فيذهب مرة لرؤيتها ومرة لمساومته فى السعر واسلوب سداده حتى لا يبقى شىء سوى إبرام العقد فيحضر المشترى ومعه الثمن الذى تم الاتفاق عليه خلال المفاوضات يضعه أمام البائع فيسلمه مفتاح السيارة دون تلفظ أو كتابه لصيغة.
2-    ذهب اتجاه ثان وهو للشافعية : الى عدم صحة البيع بالمعاطاه مطلقا ومبررهم ان العقد لابد له من صيغة تنقل الاحساس بالرضا الداخلى الى الخارج فكيف يتم عقد دون تعبير عن الارداة من الطرفين .
3-    ذهب رأى ثالث لمتأخرى الشافعية ومنهم الامام النووى:- لكى نحكم على التصرف بالمعاطاه يجب ان نفرق بين أمرين .
‌أ-    يصح فى التعاقد على الاشياء البسيطة غير الجوهرية والمرجع فى تحديد ذلك الى العرف كشراء خبز أو صحيفة أو سلعة دورية كالوقود .
‌ب-    لايصح التعاقد بهذه الطريقة فى الاشياء الجوهرية كالمنزل أو السيارة لأنه لابد للتعبير عن الرضا الداخلى بالصيغة .
وقد اجمع الفقهاء على عقد واحد من عدم امكانيه انعقاده بالفعل دون صيغة وهو عقد النكاح لماله من القداسة وعظم الشأن وجليل الأثر وضرورة الاحتياط عند انعقاده لما فيه من حفظ الأنساب ومنع اختلاطها - واحتراما لمكانة المرأة والا يوضع العقد المرتبط بها فى موضع ينقص من شأنها.




شروط الصيغة
    شروط الصيغة [ الإيجاب والقبول ]:
حتى تنتج صيغة العقد أثرها الصحيح وهو انشاء العقد صحيحا فلابد من توافر شروط معينه فى شقى الصيغة وهذه الشروط من الأهمية بحال وعند تخلفها لا ينعقد العقد فهى من شروط الانعقاد التى يترتب على تخلفها عدم إنعقاده .
    أهم شروط الصيغة :
    أولاً : وضوح عبارة الايجاب والقبول فى الدلالة على المراد :
فلابد أن تكون مادة الألفاظ المستعملة من أطراف العقد لها دلالة واضحة فى اللغة والعرف الذى يتعامل به أطراف العقد .. لأن اللفظ بديل عن الرضا الباطن الخفى - كما أن لكل عقد دلالة لفظية تختلف من عقد لآخر ، فلابد من فهم كل طرف لعبارة الآخر ومعرفة المراد الذى قصده ولايجوز التعبير عن مراد البيع بالايجار لاختلاف المراد من كل منهما فالأول لنقل الملك والثانى للانتفاع فقط - كما ان عدم معرفة احد الطرفين بلغة الآخر يعد عارضا من عوارض وضوح العبارة .
    ثانيا : تطابق القبول مع الايجاب :
ويقصـد بالتطابـق هنـا التوافـق بيـن الايجـاب والقبـول فى كل جزئياتهما فى المحل الواقع عليه اللفظين والثمن المحدد فيهما ، واسلوب اداء هذا الثمن ، ومن حيث مقدار المبيع كله أو بعضه يشترط الاتحاد فى كل هذه الأمور ما جاء منها فى الايجاب تكون الموافقة عليه فى القبول ، فإن حدثت مخالفة فى واحد منها لم تصح الصيغة ولم ينعقد لأن الأختلاف والمغايرة تؤدى الى وقوع القبول على خلاف ماورد فى الايجاب ومن أمثله المطابقة بين الايجاب والقبول :
‌أ-    المطابقة بين الايجاب والقبول فى موضوع العقد [المحل] فيجب ان يقع كل من الايجاب والقبول على محل واحد - وان يقع القبول على نفس الموضوع الوارد فى الايجاب فلو قال محمد لعلى بعتك سيارتى بعشرة ألاف جنيه فتحقيق التوافق والمطابقة ان يأتى القبول بقول المشترى قبلت شراء السيارة بهذا الثمن - أما لو قال له بعتك سيارتى بعشرة آلاف فرد الثانى وقال بل قبلت زواج ابنتك على صداق قدره عشرة آلاف جنيه - هنا لاينعقد العقد لاختلاف المحل فى شقى الصيغة ففى الايجاب سيارة وفى القبول امرأة وبالتالى لايعد قبولا لمخالفته للايجاب فتحتاج الى قبول مرة ثانية على طلب الزواج الذى يعد ايجابا لا قبولا .. ولم تتحقق المطابقة فى عقد شراء السيارة .

‌ب-    المطابقة فى الثمن (العوض) يجب أن يأتى القبول مطابقا وموافقا بنفس الثمن الوارد فى الايجاب فلو قال له بعتك منزلى بـ مائة الف فيجب ان يكون القبول قبلت بمائة ألف .. لأنه لو قال قبلت شراءه بثمانين ألف مثلا لاينعقد العقد لأن القبول جاء بثمن لم يرد فى الايجاب بل خالفه وانشأ ايجابا جديدا فهو عرض بثمن جديد يحتاج الى رد عليه فلامطابقة ولا عقد بهذه المخالفة.
لكن فرق الفقهاء فى موضوع المطابقة فى الثمن بين مااذا جاءت المخالفة فى القبول بالزيادة عن الثمن الوارد فى الايجاب أم جاءت بالنقص.
1-    المخالفة بالزيادة فى الثمن :
كما لو قال المؤجر للمستأجر اجرت هذا المسكن بألف فى الشهر فقال المستأجر قبلت بألف وخمسائة هنا ذهــب جمهــور الفقهـاء الى ان العقد فقد شرط المطابقة فى الصيغة ولاينعقد وذهب البعض الى القول بأن العقد صحيح وينعقد لأن الزيادة مقصودة وفى صالح الموجب الذى اصدر الايجاب وربما اراد المستأجر تعديل عدم خبرة المؤجر فى تحديد الأجر الفعلى مخافة الله تعالى بالزيادة فى قبوله :
2-    المخالفة بين الايجاب والقبول بإنقاص الثمن :
كما لو قال الموجب فى العقد بعتك سيارتى بعشرين الف جنيه فقال من وجه اليه الايجاب قبلت بثمانيه عشر الف هنا يتفق الفقهاء على بطلان الصيغة لأن القبول المخالف يعد ايجابا جديدا فهو ليس ردا على الايجاب الأول لأنه يخالفه ولم يطابقه بل يحتاج الى رد من البائع بالموافقة على هذا النقص أو رفضه.
3-    المطابقة فى مقدار المعقود عليه :
كما لوقال البائع بعتك اردبا من القمح بخمسائه جنيه فقال قبلت نصفه بثلثمائة - هنا لم يحدث التطابق أو التوافق بين مقدار المبيع وهو محل العقد المعقود عليه فى كل من الايجـاب والقبول .
4-    تشترط المطابقة بين الايجاب والقبول فى زمن الوفاء بالالتزام العقدى :-
 مثال ذلك لو قال البائع للمشترى بعتك هذا الفرس بألف فورا أو حالة فقال المشترى قبلت على قسطين هنا توجد مخالفة بين زمن الوفاء بالثمن فى كل من الايجاب والقبول وبالتالى يختل التوافق وتسقط الصيغة .
وقد اتفق القانون المدنى مع الفقه الاسلامى فى هذه الجزئية فى المادة 96 من القانون المدنى المصرى وجاء فى مضمونها أن أى تغيير يزيد على الايجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه بما يعد تغييرا يعتبر ايجابا جديدا موجها ممن وجه اليه الايجاب الأول ويحتاج حينئذ الى قبول جديد.


    ثالثا : ضرورة اتصال القبول بالايجاب :
يشترط الفقهاء ضرورة أن يكون هناك اتصال بين الايجاب والقبول فما مفهوم هذا الاتصال وكيف يتحقق فى كافة صوره؟؟
من الطبيعى انه لابد لابرام العقد من مكان يجلس فيه العاقدان تصدر فيه صيغة التعاقد ويستمر وجودهما فيه لفترة زمنية هى الوقت الذى يستغرقه العاقدان للفراغ من هذه المهمة هذه الصورة هى ما يعرف لدى الفقهاء بمجلس العقد الذى يحمل طابعا مكانيا وزمنيا .
وتعد فكرة « مجلس العقد » عند الفقهاء من المسائل التى انفرد بها الفقهاء الأول ولم تنظم حتى من اكثر النظم القانونية المعاصرة أو القديمة وفى هذا المقام يقول الدكتور « السنهورى » فقيه القانون المدنى المعاصر المعروف بعلمه وفقهه .. (ولعل من أبرع المسائل التى نظمها فقهاء الشريعة الاسلامية فكرة مجلس العقد زمانا ومكانا بمالم نجد له مثيلا فى القانون الفرنسى مصدر القانون المدنى فى الكثير من بلدان العالم..‎.
    مفهوم مجلس العقد : هو مكان وزمان ابرام العقد ..
والاتصال بين العاقدين اما أن يتحقق واقعا كما فى التعاقد بين حاضرين موجودين معا فى مجلس العقد أو حكما كما فى التعاقد بين غائبين أو بالوسائل الحديثة كالهاتف والفاكس والتلكس والرسالة وغيرهما.
‌أ-    تحقيق الاتصال فى مجلس العقد بن الحاضرين (الاتصال الحقيقى) :
وفى هذه الحالة نجد أن من سيصدر منه الايجاب ومن سيوجه إليه هذا الإيجاب حاضرين فى جلسة التعاقد وهى مكان ابرام العقد .
ويبدأ زمان هذا المجلس عندما يفتتحه أحد العاقدين بالتعبير عن رغبتة فى التعاقد وهنا تبدأ قيمة الزمن فى مجلس العقد ويتدرج حتى يصدر التعبير من الطرف الثانى بالرد عليه بالقبول.. وهنا تدخل الفقهاء لتحديد الوضع الأمثل لمجلس العقد من الناحيتين المكانية والزمانية.
1-    ذهب جانب من الفقهاء (الشافعية والامام أحمد بن حنبل) إلى أنه بمجرد صدور الإيجاب ينبغى على من وجه إليه هذا الإيجاب أن يرد عليه قبولا أو رفضا على الفور دون انتظار - ولايتسامح فى أى فاصل بين الإيجاب والرد عليه يعد طويلا كالكلام الأجنبى الخارج عن موضوع العقد أو أى دليل على الاعراض أو الرفض من الطرف الذى وجه إليه الايجاب ومبررهم فى ذلك :- هو اظهار الجدية فى التعاقد- فالعاقدان ماحضرا لمجلس العقد إلا لإبرامه فلابد أن يظهر ذلك على الفور، لأن العقد التزام وأولى بتحقيقه تنجيزه على الفور بجدية وهـذا هو العنصر الزمنى  فى مجلس العقد فإذا صدرت الصيغة على هذا النحو ثم تفرق العاقدان أو أحدهما فقد ثبت العقد ولزم نهائيا ولارجعة فيه .
  لكن تصور أصحاب هذا الاتجاه أن العاقدين بعد أن التزما وأعقب الإيجاب صدور القبول على الفور بينهما ظلا فى مجلس العقد دون تفرق فلو قدر وأراد أحدهما أن يعيد النظر فى العقد الذى تم بعد أن تروى وفكر متمسكا بحجة أنه لم ينصرف من مجلس العقد؟؟ .
هنا يجيب أصحاب هذا الاتجاه ويقولون نعم إنه يجوز لأحد العاقدين بعد التعبير عن الصيغة وإبرام العقد ما لم يتفرقا من مكان مجلس العقد الرجوع فى العقد .. استنادا الى عدم التفرق من المجلس ويسمى هذا لديهم بالاستفادة من خيار المجلس وهو اختيار مباح للعاقدين ماداما لم يتفرقا عن مجلس العقد ويعطيهما الحق فى الرجوع فيما أبرماه من عقد خلال هذا المجلس . وهذا الحق ليس من ابتكار أصحاب هذا الرأى وانما له دليله الشرعى.
    دليل خيار المجلس :
1-    استدلوا على الحق فى الرجوع عن التعاقد بعد ابرامه قبل التفرق عن نفس مجلس العقد بقول النبى - صلى الله عليه وسلم-  « الَبيِّعان بالخيار مالم يتفرقا » أى أن البائعان يقصد - صلى الله عليه وسلم-  البائع والمشترى وأصبغ عليهما هذه الصفة ولم يقل المتفاوضان مثلا لأنهما أبرما العقد وبالتالى لهما الخيار أى خيار المجلس الذى يعطيهما الحق فى الرجوع مالم يتفرقا أى بشرط أن يكونا بالمجلس لم ينصرفا لأنه لوحدث التفرق ثبت العقد ولامجال للخيار لانفضاض المجلس  .
2-    استدلوا أيضا بمارود عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه كان إذا أبرم عقدا وأراد أن يصبغ عليه اللزوم غادر مجلس العقد عقب القبول حتى لايكون هناك فرصة للرجوع عن طريق خيار المجلس ولوشاء العودة فليعد وهذا فهم تطبيقى لابن عمر لخيار المجلس.
اما الاتجاه الثانى لجمهور الفقهاء ومنهم الأحناف - المالكية - وبعض الفقهاء من المذاهب الأخرى .. فقد كانت لأصحابه نظرة .. أخرى لتحقيق الاتصال ومفهومه بين شقى الصيغة فى مجلس العقد بين الحاضرين . فقالوا اذا بدأ مجلس العقد وصدر الايجاب هنا ليس لزاما أن يرد الطرف الثانى فورا ودون تراخ بل عليه أن يتروى ويفكر قبل أن يعلن قبوله دون ان يؤثر الفاصل الزمنى على الاتصال بين الايجاب والقبول طالما أن هذا الفاصل الزمنى لم يظهر فيه ما يفسر على انه اعتراض أو رفض من الطرف الثانى - وكل المطلوب فقط هو أن يصدر القبول قبل تفرق الأطراف من مجلس العقد.
ولعل الميزة التى يعطيها هذا الاتجاه للعاقدين عدم التعجل فى ابرام العقد ربما أراد من أصدر الايجاب أولا الرجوع فيه . أو أراد من وجه اليه الايجاب التفكير قبل الرد فى مقابل هذا التيسير فالأساس هو صدور القبول خلال مجلس العقد دون التزام بصدوره على الفور لكن ما أن يصدر القبول فمعنى ذلك ان العقد قد لزم وثبت وسواء تفرق العاقدان عن مجلس العقد أم لم يتفرقا ولاحاجة لخيار المجلس عندهم فقد استبدلوه بالمهلة فى الرد على الايجاب ولايجوز الرجوع فى القبـول بعد صدوره لمجرد البقاء فى المجلس إلا بناء على اتفاقات أخرى لامكان للحديث عنها فى هذا الموضع .
وهذا الخلاف الدائر حول شكل الاتصال بين الايجاب والقبول فى مجلس العقد بين الحاضرين انما هو خلاف نظرى لأن المنهج تكاد تكون غايته واحدة: فأصحاب الاتجاه الأول يتعجلون القبول مادام الايجاب صدر ثم يمنحون للعاقدين خيار المجلس الذى يعطيهما الحق فى الرجوع أو التعديل بعد التروى .. طالما يتم ذلك قبل التفرق والانصراف وأصحاب الاتجاه الثانى يعطون زمن مجلس العقد كله للرد على الايجاب بشرط الا يحدث تفرق أو يصدر القبول فعلا فى مرحلة مبكرة .. اذا كلا الاتجاهين يمنحان زمنا للتفكير مع اختلاف الاسلوب القبول أولا مع امكانية الرجوع أولا تتعجل ولكن يلزم بمجرد التعبير - وكلاهما جعل التفرق إلزام لثبات العقد واستقراره.
    أهم صور العلاقة بين الرضا والتعبير عنه فى التعاقد : 
    أولاً : عدم قصد التلفظ بالعبارة لانعدام الارادة :
وذلك كما لوكان المتعاقد لايقصد التلفظ بالعبارة أو النطق بها ومع هذا صدرت منه عبارة تدل فى الفاظها فقط على التعاقد - هنا لم تقترن العبارة باختيار متوج بالرضا وهو الرغبة فى التعاقد .
وهنا يتفق الفقهاء على بطلان العبارة لأنها لم تنشىء عقدا حتى نقول بطلان العقد ومثل ذلك عبارة المجنون ، والنائم ، والمغمى عليه ، والصبى غير المميز (دون السابعة) فهى عبارات باطله لايترتب عليها التزام ولاتصلح لابرام العقد لانعدامها . وانه لاقصد فى اصدارها وبالتالى لا التفات لمدلول اللفظ ولو أفاد معناه التعاقد .
    بعض تطبيقات هذه الصورة وموقف الفقهاء منها:
‌أ-    عبارة السكران :
السكران هو من غاب عقله بسبب تناول مادة مسكرة بحيث صار غير مدرك لما يقول .
ذهب جانب من الفقهاء : الى ان عبارة السكران مهدرة ولا اعتبار لها مثله مثل المجنون لا إرادة له ولا اختيار وتعاقده باطل . وسواء أكان سكره عمدا أم لا كما لو تناولها مكرها أو خطأ ذلك لأن السكران :
 لم يقصد التلفظ بعبارته ، ولم يرد بها إنشاء عقد لفقده وعيه وانتفاء الادراك عنده ولفظه لايدل على رضاه لانعدامه . وذهب جانب من الفقهاء للتفرقة بين ما ذا كان سكره عمدا وهو السكر المحرم وبين ما اذا ذهب عقله كالناسى والمخطىء فى تناول الخمر على انه سائل آخر واثر ذلك على العبارة.
فالأول : السكران العامد العالم سلفا بسكره المحرم وانه سيذهب عقله فهذا يعاقب على فعله بأن يعتد بعبارته عقوبة له وزجرا لغيره فيلتزم بما يترتب على عبارته من بيع واجاره وطلاق وغير ذلك من التصرفات .
الثانى : السكران غير العامد : وهذا حكمه حكم معدوم الارادة والراجح فى العمل فى الاعتداد بالتصرفات الى ما ذهب اليه أصحاب الاتجاه الأول فى عدم الاعتداد بتصرفات السكران مطلقا . ذلك لأن النتيجة فى الامرين واحدة وهى ذهاب العقل والخلل فى العبارة لانعدام الارادة والقصد وعدم صلاحية عبارة السكران مطلقا كقرينة صحيحة على الرضا والقول بعقوبة السكران بتنفيذ عبارته غير مقبول فالعقاب ليس على حساب التصرف المهتز الذى لن يضر به وحده بل يشترك معه أخرون لاجنية لهم بسكره وعقوبة السكران قد حددها الشرع فلا يضاف لها مايزيد عليها .
‌ب-    عبارة المخطىء والناسى وحكم التعاقد بها :
إذا نطق العاقد بألفاظ صيغة العقد وهو لا يقصدها بأن صدرت منه على سبيل الخطأ كأن خرجت العبارة منه عفوا أو ناسيا كمن أراد التعبير عن البيع فعبر بالايجار أو الوكالة فما اثر هذه العبارة على التعاقد عند الفقهاء ؟؟
ذهب جمهور الفقهاء الى القول بأن عبارة المخطىء والناسى لا أثر لها مطلقا فى إنشاء العقود لأن كليهما لم يقصد التعاقد ولم تتجه اليه ارادتهما بهذه العبارة مطلقا وعبارتهما ملغاة وغير صحيحة مادامت القرائن تؤكد أننا امام حالة خطأ أو نسيان . وذلك استنادا الى قوله تعالى  رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  والى عدم مؤاخذة المخطىء فيما جاء فى قوله تعالى
 وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  وقوله - صلى الله عليه وسلم- 
« رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » كما ذكر هؤلاء إن الرضا فى هذه الحالة غير متوافر والقصد للتعاقد بهذا اللفظ غير قائم .
الاتجاه الثانى وهو للأحناف : وقالوا ان عبارة المخطىء والناسى يعتد بها وتصلح لانشاء العقد - فمادامت العبارة ظاهرة وواضحة وتفيد الرغبة فى التعاقد فلماذا نفتح الباب أمام الكثيرين للتخلص من التزاماتهم بحجة سبق اللسان والخطأ .
والراجح : هو الاتجاه الأول الذاهب الى إلغاء عبارة المخطىء والناسى لأنها قرينة نافية للرضا ولاقصد للتعاقد ، كما ان مبرر أصحاب الرأى الثانى يؤدى الى اهتزاز التعامل - ويرد عليهم بأن التعلل بالخطأ والنسيان لا يقبل الا مع القرينة الواضحة والا اعتبر العقد صحيحا. كما أن ادلة أصحاب الرأى الأول تقويها النصوص الواضحة فى الدلالة على المراد .
    ثانياً : قصد التلفظ بالعبارة وعدم علم معناها:
إذا نطق الشخص بالعبارة بإرادته وكانت له رغبة فى التعاقد لكنه لا يفهم معنى العبارة لأنها ليست بلغته التى يفهمها كما إذا لقن عربى أجنبيا الفاظ العقد فذكرها وراءه كبعت أو اشتريت رغم ان هذا الأجنبى لا يعى مدلول هذه العبارة .. فما أثر هذه العبارة عند الفقهاء؟ .
ذهب بعض الفقهاء (المالكية ، الشافعية) إلى أن عبارة الملقن التى نطقها الأجنبى لا ترتب اثرا وهى عبارة لاغية .
والبعض الآخر وهم الأحناف : رتب على هذه العبارة اثرا فى بعض التصرفات التى تقع تحت رقابة القضاء .
والراجح : انه لا أثر لهذه العبارة مطلقا.
    ثالثاً: قصد التلفظ بالعبارة مع فهم معناها لكن فى غير مقام التعاقد:
كأن يتلفظ شخص بعبارة يفهم معناها وتدل على التعاقد لكنه لا يقصد استعمالها فى المعنى المستفاد منها وهو التعاقد وانما يفهم القصد من العبارة حسب مقام استخدامها كمقام التعليم أو الحكاية فرغم ان العبارة مقصودة وتدل على التعاقد لكن ارادة التعاقد الداخلية غير قائمة واللفظ الصادر ليس دليلا عليها أو قرينة فلا اعتداد بالعبارة ولا قام بها عقد .
    رابعاً: قصد لفظ التعاقد دون إرادة إنشاء العقد:
وهنا تصدر العبارة ممن يقصد التلفظ بها ، ويفهم معناها لكنه لايريد العقد الذى تدل عليه ، وتتنوع الاسباب التى توجد هذه الصورة.
    من أهم أمثلة هذا التطبيق :
‌أ-    عبارة الهازل :
والهازل هو من ينطق بالعبارة وهو يقصدها ويفهم معناها لكنه لايختار الأثر الذى وضعه الشرع لهذه الصيغة بل يقصد اللهو والهزل وعدم الجدية. كأن يقول شخص لآخر على سبيل المزاح وقد اشترى سيارة جديدة لاينوى بيعها ويرغب فى اقتنائها سيارتى ليست بالعزيزة عليك أبيعك اياها بالثمن الذى اشتريتها به فهى لاتعز عليك.. وهو يعلم أن صاحبه هذا غير قادر على أداء الثمن اضافة إلى عدم رغبته فى البيع فسيطرت عليه رغبة المزاح المختلطة بالتفاخر والقرائن كلها تدل على ذلك مثل حداثه شراء السيارة ، اعتزاز صاحبها بها ، ومفاجأة من وجهت اليه عبارة الايجاب وعدم قدرته على الوفاء بالثمن .
فما اثر هذه العبارة الصحيحة فى شكلها الخارجى عند الفقهاء؟؟
ذهب جمهور الفقهاء (الأحناف - اكثر المالكية - الحنالبة) الى ان عبارة الهازل لا أثر ولا اعتبار لها فهى لاتنشىء عقدا فرضاء صاحب هذه العبارة لم ينصرف لابرام العقد ولا للالتزام بآثاره إلا انهم استثنوا من رأيهم هذا بعض العقود فإنها تنعقد بعبارة الهازل ويلتزم بآثارها وهى العقود التى وردت فى حديث النبى - صلى الله عليه وسلم-  ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح ، الطلاق ، الرجعة وفى روايات أضيف اليمين ، والعتاق وقالوا إن هذه التصرفات الخمسة فيها حق لله تعالى ، وحق الله تعالى لايكون موضعا للهزل واللهو - كما يكفى أنها خصت بنص الحديث على حكمها خلافا للعقود الأخرى فلم ينص على حكم الهزل فيها فتبقى على القاعدة الأصلية فيها وهى ان العبرة بارتباط الارادة مع العبارة واعتبار القصد فى إنشاء العقد ومادامت قد انتفت فلا عقد مع الهزل وفى إطار هذا الرأى يذهب بعض المالكية إلى جعل جميع عقود الهازل دون استثناء غير منعقده .
الاتجاه الثانى وهو للشافعية وذهبوا فيه الى صحة كل عقود الهازل وان عبارته صحيحة ويعلم معناها ويقصد استعمالها فى هذا المعنى كما ان القول ببطلان عبارته ذريعة للتحلل من آثار العقد والتزامه .
‌ب-     عبارة المكره :
أحيانا تصدر العبارة صحيحة دالة على انشاء العقد لكنها تكون صادرة من صاحبها تحت تأثير الاكراه الواقع عليه .. وهو لم يقصد إنشاء العقد بل أكره على التلفظ دفعا للخطر أو لأذى قد يناله أو يلحق عزيزا لديه وفى هذه الحالة فإن المتلفظ لم يعبر عن إرادته بل عن ارادة  من اكرهه وبالتالى فالتراضى هنا غير حقيقى نتيجة هذا التأثير الخارجى المحيط به فما هو الأثر المترتب على العبارة الصادرة من المكره .. بفتح الراء.
    أولاً :
 جمهور الفقهاء ذهبوا الى ان عبارة المكره بفتح الراء ملغاة وليس لها أى أثر شرعى ذلك : لأن الاكراه ينافى الرضا الدافع للتعاقد .. فلا ينعقد العقد أيا كانت طبيعته معاوضة أو غير معاوضة تحت الاكراه .. وقد استدل هذا الاتجاه على رايه بقوله - صلى الله عليه وسلم-  « رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » والمقصود بالرفع فى الحديث رفع الحكم الناتج عن العبارة فتعتبر غير صالحة لابرام العقد.




    ثانيا :
ذهب الأحناف إلى أن حكم العبارة الصادرة من المكره بفتح الراء لإنشاء العقد تتوقف على نوع العقد الذى وقع الاكراه على صاحبه وفصلوها على النحو التالى :-
1-    العقود التى موضوعها حق من حقوق العباد كالبيع ، الرهن وغيرهما فتأثير الاكراه عليها يجعلها فاسدة أو كما ذهب بعضهم عقودا موقوفة وبمعنى آخر ليست باطلة أو معدومة وإنما تقبل أن ترجع الى الصحة بعد زوال أسباب الإكراه .. فيسأل المكَره بعد زوال الاكراه فإن وافق على عبارته التى تلفظ بها تحت تأثير الاكراه وعلى أثرها وهو العقد صح العقد بعد ان كان فاسدا أى معيبا بالاكراه أو متوقفا على اجازته وموافقته اى أن الاكراه فى نظر هؤلاء مرض أو عيب اذا وافق المكره .. ومثال ذلك .. لو هدد شخص آخر بأنه اذا لم يبع له سيارته فإنه بنفوذه سيفصله من عمله مثلا فقال له تحت تأثير الخوف من هذا الاكراه الأدبى المعنوى وهو عالم بقدرة المكره على تحقيق هذا الاكراه بعت لك السيارة .. فبعد ان يزول سبب الاكراه نسأل المهدد هل انت موافق على امضاء العقد مع هذا الشخص فلو قال نعم صح العقد ولو رفض بطل العقد .
2-    أما العقود التى فيها حق لله تعالى كالعقود الخمس التى وردت فى عبارة الهازل والزم الهازل بالعبارة فيها وبالعقد فيقولون ايضا ان المكره ملزم بعبارته وبالعقد الناشىء عنها كما فى النكاح - والطلاق ، العتاق ، الرجعة ، اليمين فإنها تعد صحيحه اذا صدرت تحت الاكراه.
والراجح : مذهب الجمهور إذ هو المتفق مع القواعد العامة فى الفقه الاسلامى ومع تطبيق مفهوم النصوص وهو عدم صحة العقود الناتجة عن عبارة المكره وذلك للآتى :
‌أ-    ان حديث النبى - صلى الله عليه وسلم-  واضح فى رفع الحرج أى اسقاط الحكم عن المكره فى قوله « رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ».
‌ب-    ان قياس الأحناف عبارة المكره على عبارة الهازل فى العقود الخمس التى موضوعها حق الله تعالى قياس مع الفارق - فاين الهازل من المكره الأول يتمتع بإرادة كاملة وحرية ارادة يتلاعب بمصالح الآخرين فاستحق العقاب ، والثانى المكره  : مجبر - لاارادة له ولا حرية فكيف الزمه فى هذا الحال بزواج ، أو طلاق مع انعدام الرضا.
‌ج-    ان حديث النبى - صلى الله عليه وسلم-  فى الموضعين واضح فى الزام الهازل « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ... » وفى الاكراه واضح فى رفع الحرج « وما استكرهوا عليه » فلا مجال للقياس مع وضوح النص .
‌د-    وربما كان رأى الأحناف محل اعتبار لو أنهم لم يفرقوا بين العقود التى محلها حق الله والآخرى التى محلها حقوق العباد وجعلوها فى درجة واحدة موقوفة على اجازة المكره بعد زوال سبب إكراهه.

    أثر الاكراه بحق على العبارة  :
وقد بين الفقهاء نوعا من الاكراه بحق وانه لا يعد من باب الاكراه السابق المؤثر فى الارادة والرضا - كإكراه القاضى للمدين أو الظالم على بيع ماله للوفاء بالتزاماته لأصحابها فهذا لايعد اكراها مبطلا لعبارة صاحبه ولاخلاف بين الفقهاء على صحة عبارة صاحبه وانتاجها لآثارها لأن القاضى أو ولى الأمر كأنه حل محل ارادة المدين المكره .
الأساس الذى يستند اليه موقف الفقهاء من العبارة والارادة فى التعاقد :
بعد استعراض هذه الصور والاشكال المختلفة للعبارة الصادرة من العاقدين والمعبرة عن المظهر الخارجى للرضا القلبى وبيان موقف الفقهاء من الأمور التى تؤثر على هذه الارادة.. نجد أن الفقهاء فى آرائهم التى حكمت على صور التعبير عن الارادة تتراوح بين انعدام للارادة بالرغم من التعبير عنها وبين ان تكون الارادة معيبة نتيجة الظروف المحيطة بها ، وأخذ الفقهاء اتجاهين فى هذا المقام :
الاتجاه الأول : وقد تزعمه الامام الشافعى وبعض الأحناف وقد ذهبوا الى الاعتداد بالعبارة والتركيز عليها دون نظر للارادة الداخلية مالم يوجد فى العبارة ما يكشف عنها - لذا كان تركيزهم على مدلول العبارة وحدها فى المسائل التى اختل فيها التوافق بين الرضا والعبارة ومن ثم فعبارة المخطىء عندهم غير صحيحة لأن عبارته معبرة عن انتفاء القصد.
وحجتهم : ان الاحكام الدنيوية مبنية على الظاهر ، والنيات أمور خفية مستكنة لا يعلمها إلا الله - فمادامت أركان العقود وشروطها مكتملة فهى صحيحة ولاحاجة للبحث عن النية مادامت العبارة واضحة الدلالة.
الاتجاه الثانى : للامام احمد بن حنبل ويقترب منه المالكية : وذهبوا الى القول بأن الرضا القلبى هو الاساس الذى ترتبط به العبارة ذلك لأن الرضا هو تاج الاختيار ، إن قرن بالدليل  الواضح . وهو العبارة الظاهرة أما إن خفيت الارادة ولم يظهرها دليل واضح فلا اعتبار لها.
حجتهم إلى رأيهم : أن مرد الأعمال الى النيات مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم- 
« إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى » فلو تغيرت العبارة عن الارادة الباطنة فيكون الاخبار بالعبارة كاذبا ودائما يبحث عن ارادة الانسان بين القرائن المختلفة لفهم ما تقصده الارادة فالعبرة بما عزم الإنسان عليه.
والراجح : فى نظرنا هو هذا الاتجاه لأن العبرة بما يقصد المرء حقيقة وما يريده فعلا واستقرار التعامل يتحقق عن طريق التأكد من القرائن الدالة على النوايا الحقيقية  .

    - أما القانون المدنى المصرى :
فقد سلك مسلكا وسطا بين النظريتين فجعل الارادة الباطنة هى الأصل ولم يعدل عنها للارادة الظاهرة (العبارة) الا بعض الشىء حيث يحتاج استقرار التعامل الى ذلك .


‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق